12.11.09

أمل

هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروب
وفوهة الوقت
قرب بساتين مقطوعة الظل
نفعل ما يفعل السجناء
وما يفعل العاطلون عن العمل
نربي الأمل
محمود درويش

21.10.09

الكويت تحولت الى "فسطاطين"... بدوي أو حضري


الكويتيون يعيشون بين فسطاطين
هكذا تبدو الصورة الراهنة في الكويت، أما أن تكون بدويا أو حضريا، وسط سجال متنام حول هذا الموضوع، اتخذ أبعادا سياسية واجتماعية واقتصادية وإعلامية، وكاد يتحول الى عنف أحيانا.
جدل "الهوية" كان موجودا في المجتمع الكويتي، خصوصا بعد ظهور النفط في الكويت، وتوافد مجموعات كثيرة بحثا عن فرص عمل، وكان متداولا في قنوات ضيقة، وبصورة أوضح، كان يدور همسا، لكنه ظهر الى العلن أخيرا، ويشارك في تغذيته فضائيات وصحف ونواب ووزراء، وبات مادة سجالية في الدواوين والمقاهي وحيث يجتمع الكويتيون.
التقسيمات في الكويت غير قليلة، بما أن الكويتيين يشكلون نتاج هجرات من الدول المجاورة، وخصوصا من السعودية والعراق وإيران، فشهدت السنوات القليلة الماضية تنامي الطائفية بين السنة والشيعة، وهي مسألة جاءت مع نتائج التغيير في العراق، وفي فترة الثمانينات زاد الحديث عن القوميتين العربية والفارسية، كمحصلة فرضتها الحرب العراقية ـ الايرانية، علاوة على التصنيفات ذات البعد المحلي مثل أصيل وبيسري...وغيرها
فأبناء القبائل في الكويت، الذين يشكلون نحو 51 في المئة من نسبة الكويتيين، وفقا لتقرير حكومي، يعتقدون أن "الحضر" ومن يسكنون المناطق الداخلية "كلوا الديرة، (أي أكلوها) لم يتركوا لنا شيئا، وسيطروا على كل شئ، ابتداء من احتكار الوكالات التجارية، والوزارات، والمناصب، والسفارات، والقسائم الصناعية والأراضي، ومعظم الامتيازات".
أما الحضر، ونسبتهم 30 في المئة، فيرون أن البدو من أبناء القبائل "خربوا البلد، ويتمددون بصورة كبيرة، وأضحوا أكثرية في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وحتى في مجلس الأمة، وصاروا يقودون المعارضة السياسية، ويسيطرون على النقابات ومنظمات المجتمع المدني، وأدخلوا قيما رجعية، ويريدون فرض رؤيتهم العشائرية المتخلفة عن العصر، ويسعون الى تحجيم دور المرأة".

ظهور الجويهل
دفع ظهور المتطرف محمد الجويهل المسألة الى حدودها القصوى، عندما تبنته فضائيات، وما انفك يشتم "البدو" ويتهكم عليهم، وأعاد الحديث بمصطلحي "داخل السور وخارج السور".
ويستخدم المصطلحان للتفريق بين من كان موجودا في الكويت قبل ظهور النفط، وبين من جاءوا لاحقا وتجنسوا في وقت متأخر، ولم يعيشوا معاناة الكويتيين الأوائل أيام العوز وصعوبة الحياة، لكن بعض المتطرفين يستخدمه لأسباب "عنصرية" وضد القبائل تحديدا.
وعلق النائب مسلم البراك بالقول أن "الحكومة التي لا تستحي ولا تنتخي جمعوا كل ساقط ولاقط أمثال محمد الجويهل"، وانه لن يسكت "أمام تخاذلها تجاه الوحدة الوطنية بترك الأمر للجويهل بالحديث عن إحصاء 44 ، وأن الكويتيين فقط 200 ألف بما فيهم الأموات



استقبال التطرف
ويرى القبليون، أن حصول الجويهل على 3400 صوت في الانتخابات النيابية الأخيرة، بحيث تجاوز أشخاصا مهمين "مؤشرا خطيرا"، ما يعني أنه "يلقى قبولا ودعما لمواقفه من بعض الكويتيين"، لدرجة أن مجموعة من أبناء القبائل "حاصروا" سيارته أكثر من مرة وحاولوا الاعتداء عليه لكنه هرب منهم، وهو يروج حاليا انه بصدد تدشين "فضائية" خاصة لمهاجمة القبليين والدفاع عن مصالح الحضر.
فاقم الأمر، أن الحكومة لم تتدخل بصورة حاسمة لوقف هذا التراشق، بل أن بعض المسؤولين والوزراء استقبل الجويهل "معززا مكرما"... كما فعل وزير الداخلية الشيخ جابر الخالد، واعتبر أبناء القبائل استقباله "استفزازا وتأييدا لمواقفه المناهضة للبدو"، خصوصا أن الوزير الخالد كان خضع لإستجواب من النائب مسلم البراك "المطيري" المحسوب على القبليين، ما فهم انه "رد" مقصود من الوزير.
وتحول الكويتيون الى "فسطاطين" (الفسطاط هو بيت الشعر أو الخيمة)، وهي تذكر بمقولة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، قبيل الحرب على أفغانستان عام 2001، عندما قال أن العالم انقسم الى فسطاطين، دار كفر ودار إيمان.
لكن ولي العهد الشيخ نواف الأحمد قال لرئيس تحرير صحيفة "الجريدة" خالد الهلال قبل أيام أن "الشعب الكويتي لن يترك المجال لكائن من كان أن يشق الصف ويعبث بالوحدة الوطنية"، مشدداً على ضرورة مواجهة "بعض الأصوات النشاز التي تثير في وسائل اعلام موضوعات تمس نسيج المجتمع الكويت"، وأكد أن "أهل الديرة كانوا على الدوام أسرة واحدة في تلاحمهم وترابطهم وحرصهم على الوحدة الوطنية
مزدوجو الجنسية
واعترف النائب علي الراشد، الذي يوصف بأنه من مناهضي البدو، في اتصال هاتفي أن "المشكلة موجودة ولا داعي لإخفاء رأسنا في التراب، وهي تكبر يوما بعد يوم، وهناك من يغذيها، ويستغل الانتخابات لتأجيج هذه التفرقة على حساب مصلحة البلد".
كان النائب الراشد وجه سؤالا الى وزارة الداخلية عما أسماهم "مزدوجي الجنسية من النواب والوزراء"، وفهم البعض انه يقصد النواب القبليين، الذين يعتقد ان بعضا منهم يمتلك جنسيات أخرى إضافة الى الكويتية، وردت وزارة الداخلية بأنها لا تملك معلومات كافية بهذا الشأن.
دافع الراشد عن مواقفه، وقال أن سؤاله كان "محض مسألة قانونية، لكن البعض سعى الى اعتبارها موجهة ضد مجموعة معينة، وهذه محاكمة للنوايا، فلم أحدد جنسية بعينها، وقصرت سؤالي على متخذي القرار من الوزراء والنواب، لما لهذه المسألة من أبعاد تتعلق بالولاء الوطني".
أضاف أن الحكومة الكويتية "أثبتت ضعفها في الجانب الإعلامي، فلم تستطع استخدام الأدوات التي تملكها من تلفزيون وإذاعة للحفاظ على الوحدة الوطنية"، لافتا الى أن "البعض يسعى الى تحريف بعض القضايا، مثل مسألة إسقاط قروض المواطنين، وإزالة الدواوين المخالفة، بإثارة مسألة بدو وحضر، وهي ظاهرة خطيرة، ولها آثار سلبية غير قليلة على الوطن والمواطنين".

ولاءات
"المثير"...أن مصطلح "بدو" ليس دقيقا، إذ لم يعد يوجد "بدو" بالمعنى الحرفي للكلمة، حيث يعيش "جميع" الكويتيين في مناطق حضرية، ويستخدمون كل وسائل الحضارة، لكن الحضر يشيرون الى "السلوك" عند أبناء القبائل الذي يعتبرونه "متخلفا".
الناشر والناشط السياسي راشد العجيل، أرجع ما يحدث الى "غياب قنوات الاتصال بين الطرفين، والافتراضات السلبية ضد الآخر، خصوصا بعدما حلّت الحكومة الكويتية عام 1976 منظمات المجتمع المدني التي كانت تجمع أطياف المجتمع الكويتي، إضافة الى غياب مشروع الدولة، ما أدى الى ضعف الانتماء للوطن، وتحول الولاء للعائلة والقبيلة لتحقيق مصالحهم".
مشيرا الى أن الأمر "علاوة على خطورته، ينطوي على مخالفة دستورية، بما أن الدستور الكويتي في المادتين السابعة والثامنة يحض على المساواة بين أفراد المجتمع ويدعو الى صيانة دعامات المجتمع".

التجنيس السياسي
كثير من أبناء المناطق الداخلية، المصنفون حضرا، لا زالوا يشيرون الى "التجنيس السياسي"...الذي لجأت إليه السلطة الكويتية "لموازنة التركيبة السياسية، ومواجهة المعارضة من القوى القومية واليسار الكويتي" ويعتقدون أن "منح الجنسية الكويتية الى عدد كبير من القبائل في السبعينات أضر بالمجتمع الكويتي، وقواه السياسية والاجتماعية".
لكن النائب مبارك الوعلان، المحسوب على البدو، وفقا للتصنيفات السائدة، استنكر ما أسماه "بعض الأصوات النشاز، التي بدأت تضرب الوحدة الوطنية من خلال هذا الطرح البغيض"، مذكرا "بالتلاحم بين أطياف المجتمع الكويتي أثناء الغزو العراقي عام 1990 ، حضرا وبدوا، سنة وشيعة".
ولاحظ الوعلان في تصريح خاص أن "هناك من يسعى الى الإثارة، وآخرون يسعون للشهرة عبر ركوب هذه الموجه، وهو طرح مرفوض مهما كان مصدره وأهدافه، وأيضا هنالك من يدفع في اتجاه التصعيد، لخلق أجواء متوترة بهدف حل مجلس الأمة".

فضائيات عنصرية
يغذي السجال الدائر حاليا صحف وفضائيات تنحاز لأحد الطرفين، فصحيفتا "القبس" و"الجريدة"، منحازتان تماما للحضر ومناهضتان للقبائل، خصوصا "الجريدة" المملوكة للنائب السابق محمد الصقر، والناطقة باسم التحالف الوطني الديموقراطي، بينما تعكس صحيفة "عالم اليوم" صوت القبائل، وفي موقع "الآن" يمكن ملاحظة هذا الصوت، خصوصا في ردود القراء.
ومن الفضائيات تبرز قناة "سكوب" التي "تلعب" على هذا الوتر الحساس، وتغذيه باستضافة المتطرف محمد الجويهل، مقابل فتح الباب لأبناء القبائل، المتطرفين أيضا، للرد في شريط الأخبار، وهي بالتالي مستفيدة من الطرفين، وتماثلها فضائية "العدالة" لرجل الأعمال محمود حيدر دهداري، الذي يدعم رئيس الوزراء، لكنه بالتأكيد يعمل لمصالحة المالية الخاصة، مستفيدا من خلافات الكويتيين.

المحاصصة
وانعكس الصراع حتى على الوضع السياسي، حيث تحولت استجوابات بعض الوزراء الى تخندق" قبلي ـ حضري، كما حصل في استجواب وزير ة التربية السابقة نورية الصبيح،
ومن قبلها شقيقها وزير الإسكان عادل الصبيح، وأخيرا وليس آخرا وزير الداخلية جابر الخالد.
ويستفيد بعض النواب من هذا الطرح العرقي والعنصري، وتنمية العصبيات القبلية، لأنه يحملهم الى مجلس الأمة (البرلمان) خصوصا من يطلق عليهم "نواب الفرعيات"، كما يستفيد منه المناهضون للقبائل للفوز بأصوات الحضر، وللأسف لا تريد الشعوب أن تتعلم، أنها مجرد "حطب دامة" لمصالح السياسيين.
وربما لا يدرك الطرفان، أن هذه "المماحكات" بينهما، واللعب بالورقة العنصرية، ستقود الى تطبيق سياسة "المحاصصة"، التي تشتكي منها كثير من الدول، ويكفي أن نطالع المثال اللبناني، ونلاحظ خطورته، وانفتاحه على احتمالات ذات حساسية بالغة، كالتعامل مع دول، كما في الحالتين السورية والايرانية، على حساب الوطن، وكما يحدث في الحالة العراقية القريبة للكويت.
الحال، أن الوضع مقبل على تداعيات لا يمكن التكهن بها، في ظل تقاعس الدولة، التي يبدو أنها "مستمتعة وراضية"، وهي تشاهد المعركة تدور بعيدا عنها، لكن التجارب السياسية في مناطق أخرى، أثبتت أن إدخال التوازنات الاجتماعية في الصراع السياسي يقود الى نتائج خطيرة، خصوصا عندما ينظر المواطن الى بلاده على أنها مجرد
"كعكة"...من سيقضمها أولا؟

عبدالله العتيبي





13.10.09

مقام الراست

الصمت يثيرني كثيرا...
أستيقظ باكرا هذه الأيام، ربما لأنني بلا عمل، أقضي معظم الوقت صامتا، بين القراءة والكتابة والتأمل، وإذا شعرت بالحاجة الى الكلام...أغني!
صباح أمس أخذت العود وغنيت "ليه يا بنفسج":
ليه يا بنفسج بتبهج وأنت زهر حزين
والعين تتابعك وطبعَكْ محتشم ورزين
وبالطبع في هذه الحالات، لا يختار الشخص الأغنية، وفي الغالب هي تفرض نفسها، أديت الأغنية على مقام "الراست"، وهو من المقامات الشجية، كما في أغنية يا مسهرني لأم كلثوم، من ألحان الفنان سيد مكاوي، ويستخدم "الراست" كثيرا في تلاوة الآيات القرآنية، وفي أداء الأدعية، لما ينطوي عليه من خشوع، ويمكن الانتقال منه بسلاسة الى المقامات الأخرى.
كنت مبتهجا ومتفائلا، خصوصا بعدما أمدني الأوفياء من الأصدقاء بطاقة كبيرة، من المحبة والدعم والسلوى، تأثرت الى حد كبير بالكلمات التي تلقيتها، حتى من أشخاص لا أعرفهم عبر المدونة، ولا أعلم كيف أنقل لهم امتناني.
أعدت اكتشاف بعض الأصدقاء، من داخل الكويت ومن خارجها، لمست محبتهم الحقيقية واهتمامهم بحياتي، وحرصهم على معنوياتي، أشعر إنني كلما وصلت الى طريق مسدود، تفتح لي الحياة أبوابا جديدة، تحمل معها مفاجآت غير متوقعة، بعضها جميل.
كنت أجلس قبل يومين في مطعم هندي في منطقة المرقاب، وبما أن زبائن هذه الأماكن لا يلتزمون كثيرا بـ"الأتيكيت"، لكنهم أنقياء ولطفاء، لأنهم غير متكلفين في تعاملهم، سحب أحدهم الكرسي أمامي في الطاولة التي أجلس عليها، طالعني وهو يستعد للجلوس، ولم انتظر سؤاله، قلت له "حياك... تفضل".
جلس الرجل وهو يبتسم، كان بشوشا، بدا شاربه الأسود مصبوغا للتو... مثل شعري، بقينا صامتين، وكما قلت في البداية، فالصمت يثيرني، لكن عندما أكون وحيدا، لأنه يستدعي من داخلي خيالات وتصورات لا متناهية، فتتوهج غريزتي للتذكر والتداعي والكتابة، لكنه يربكني عندما أكون بحضرة أشخاص.
بدأت بأكثر مفتتح للحديث في العالم "الجو تعدل هالأيام... شكله ماكو حر بعد"، نظر إلي الرجل وهو ما زال يبتسم، "صحيح" قال هذه الكلمة، ولم ينقطع عن الكلام لحين مغادرتي:
· "آنا كل يوم آكل هني، أقعد حوالي ساعة، يجون جماعتي، نقعد نسولف عقب الفطور، وبعدين نروح للشغل"...
- "ما شاء الله"... قلت له، وتركته يتابع:
· شكلي كويتي، مو صحيح، بس آنا مو كويتي، ربيت مع الكويتيين، صار لي أكثر من 30 سنة اشتغل بمكتب معزبي، أهو يحبني كثير، أرتب له المكتب، أصب جاي، أحضر السيارة، يعني كل شي اشتغل، وما استحي من شغلي، الشغل مو عيب.
قاطعنا النادل الهندي وهو يقف فجأة أمامنا، فسألت الرجل: شتحب تاكل؟
أجاب بسرعة المعتاد والعارف وهو يخاطب النادل باسمه: وحيد... جاي حليب وجباتي.
قلت وآنا أطالع النادل: بيض وطماط حقي، ثم نظرت الى الرجل وأضفت: ترى على حسابي؟
اختفى النادل، فقلت للرجل: اسمي عبدالله العتيبي، وحضرتك؟ قال وهو يضع يده على صدره: أسمي بوفاخر، ومضى في روايته، وبالطبع لم تفارقه ابتسامته أبدا:
· وايد ناس يغلطون، حسبالهم آنا كويتي، وبعضهم يستغربون ويضحكون لما يعرفون، ويتركوني، بس آنا نفسي عزيزة، راتبي 120 دينار...
- قاطعته: في الشهر؟
· "إي في الشهر" أجاب وهو ما انفك يبتسم، "علشان جذي ساكن في بيت عزاب، وتصدق العمال البنغاليين والهنود يخافون مني حسبالهم آنا كويتي"، ثم أردف "صحيح أهو راتب قليل وما يكفيني، بس الحمد لله، آنا أدز حق عيالي، ولأختى المريضة، واتغدى كل يوم في المطعم، حتى السعر زاد، صار 600 فلس، كان قبل 400 فلس بس،
- وشلون عايش جذي يا بوفاخر؟
الحمد لله، ربك ممشيها، وآنا أدق كمنجة وناي، وهذا يساعدني شوية...
صدمتني كلماته الأخيرة، كان يبدو رجلا بسيطا جدا، ملابسه نظيفة غير أنها تبدو متآكله من كثرة الإستخدام، ملامحه لطيفة، بدا رقيقا، لكنني لم أتوقع أن يملك حساسية عالية، بحيث يظهر موسيقيا، كنت أتأمله وأقول لنفسي، أي صدفة هذه، أين كنت أعيش بعيدا عن هذا الواقع، العالم الآخر الذي لم نحاول الإقتراب منه،
كنت أتأمل الموجودين في المطعم، خليط من الجنسيات، العربية والأجنبية، وأعني الأسيوية بالطبع، فالأوربيون والأميركيون لا يخرجون الى هذه المطاعم المتواضعة؛ لم أكن أسمع سوى صوت بوفاخر، وهمهمات صادرة من الزبائن حين يطلبون ما يأكلون، لا أسمع جلبة في المطعم، فالناس لا يتحدثون كثيرا عند الصباح، معظمهم استيقظوا للتو "ومالهم خلق" مثلما نقول بالكويت.
سألت نفسي، كيف نعيش نحن الكويتيين، لماذا أخذنا الزمن الى زوايا منعزلة؟ بعيدا عن الحياة الأكثر حيوية، في العاصمة ونواحيها، حتى بالكاد ترى كويتيا في هذه المناطق، نعيش حياة متكلفة، باهظة، مكلفة، ومفتعلة، بينما يعيش الناس هنا بتواضع.
قبل استقالتي من "الجريدة"، كنت أتسلم 1200 دينارا، بالكاد كانت تكفيني، كنت أصرف معظمها على أشياء تبدو لي الآن غير ضرورية، بينما الآن أعيش على نحو 200 دينار في الشهر، ولئن كنت لا أخرج كثيرا، لكنني بخير، وأقوم بأعمال مفيدة، كالقراءة والكتابة، والتأمل، والبحث عن الذات...؟
في مساء اليوم نفسه ، كنت وأبوفاخر في شقتي، نعزف الموسيقى، هو في الكمنجة وأحيانا بالناي، وأنا بالعود، أصبحنا أصدقاء منذ اللقاء الأول، احترمته كثيرا، لعفويته وطيبته، اعترفت له بأنني بلا عمل، فلم يتغير، ولم تفارقه ابتسامته وقال لي "معرفة الرجال تجاره" وتابع العزف بحنان جارف.
غنيت لفيروز، أغنية "ليليه"، من ألحان الأخوين رحباني كالعادة ، وللمصادفة كانت من مقام "الراست يكاه" أيضا، يبدو إنني أميل الى هذا المقام لأنه يناسب صوتي، صاحبني بوفاخر بالكمنجة، مال عليها بخده، مندمجا تماما، كأنه غفا، وغطت وجهه مسحة من الحزن، لم أشهدها من قبل:
ليلية بترجع يا ليل وبتسأل ع ناس
وبتسقيهن يا ها لليل كل واحد من كاس
غيب لك شي ليلة يا ليل وإنسانا يا ليل يا ليل

12.10.09

أمير بلا عمل


هذه "صورتي" وأنا في مبنى الأمم المتحدة في العام 1990، قبل أن نتوجه مع وفد كويتي سيرا على الأقدام الى ممثلية الكويت في نيويورك ، القريبة من المنظمة الدولية، تلاحقنا الصحافة العالمية.
بعد قليل، بالصورة ذاتها، كنت جالسا في مكتب الدبلوماسية نبيلة الملا، وهي تدخن السجائر بشراهة كعادتها، دخل الشيخ صباح الأحمد، وزير الخارجية آنذاك، حّيانا وهو يبتسم "السلام عليكم" وبدا منفرج الأسارير

فرحت كثيرا برؤيته، وأتذكر إنني ناديته "هلا بوناصر"، كما فعلت الدبلوماسية الملا، ولم أكن تعلمت مصطلحات مثل "طال عمرك" وسواها من كلمات تليق بالشيوخ والأمراء، أنا القادم من مدينة الجهراء، الموظف في إدارة الهجرة والجوازات، المواطن البسيط الحالم، مصابا بطلقات نارية في أنحاء مختلفة في جسدي، لكنني، بعون الله، بقيت حيا؟
بكل تواضع ولطف، جلس الى جانبي الشيخ صباح، وكنا مبتهجون جميعا بصدور القرار رقم 678 من مجلس الأمن، في 29 نوفمبر 1990 ، واختير بموجبه يوم 15 يناير 1991 موعداً نهائياً للعراق لسحب قواته من الكويت، وإلا فإن قوات الائتلاف "سوف تستعمل كل الوسائل الضرورية لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 660 الذي خول استخدام القوة لإخراج القوات المحتلة من الكويت".
بادرني بوناصر بالسؤال "الحمد الله على السلامة... شلونك، وشلون أهل الكويت؟"، تبادلنا أطراف الحديث عن الأوضاع في الداخل، والشهادة التي أدلينا بها مع وفد كويتي عن الانتهاكات العراقية في الكويت المحتلة، وأبلغته أنني سأذهب بعد غد للقاء الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض، قبل أن "يستأذن" بوناصر للذهاب الى موعده عند طبيب الأسنان.
وأتذكر كيف كنا نجلس، الشيخ صباح الحنون، اللطيف، الفعّال، ومندوب الكويت المتحفز دائما محمد أبو الحسن، وأنا الى جانب أعضاء البعثة من الدبلوماسين، نتناول الغداء من دجاج "كنتاكي" الشهير... وأتذكر بصورة خاصة الدبلوماسي صالح المضاحكة، الذي اشترى لي بدلة "إيطالية" جديدة لمقابلة الرئيس بوش، إذ وصلت الى نيويورك ولم يكن في جيبي سوى 28 دولارا فقط.
أنظر الى صورتي، أستعيد اللحظات، كيف واجهت الموت، ووصلت الى السعودية عبر الصحراء متخفيا، وذهبت الى مقر إقامة الحكومة في مدينة الطائف، وخرجت من المستشفي بعد أيام قليلات من العملية الدقيقة لاستخراج شظايا رصاصة "دوم دوم" المحرمة دوليا من يدي، متجاهلا نصيحة الأطباء، وكيف نقلتني طائرة "الكونكورد" بسرعة "نفاثة" لألحق بجلسة مجلس الأمن للحديث حول الانتهاكات العراقية في الكويت المحتلة.
في الليلة التالية، توجهت الى واشنطن والتقيت الرئيس الأميركي جورج بوش في البيت الأبيض، مع الزملاء الدكتور حسن الابراهيم، والدكتور عبد الرحمن المحيلان، والدكتور إبراهيم بهبهاني، والتقيت لاحقا مع عضو من الكونغرس الأميركي، صرنا أصدقاء، وكان يناديني the prince
الأمير ... لدفاعي عن بلدي وتضحياتي من أجلها، وكان يذهلني برسمه خارطة الكويت خلال ثوان، بينما أشك في قدرة نوابنا على حفظ جغرافيا بلادهم!
اليوم، وبعد كل هذا التاريخ، والنضال من أجل بلدي، والدأب المتواصل على تلقي المعرفة، ومواجهة الموت في ساحات العمل الصحافي، في الحرب الأفغانية، وحرب العراق، والمواجهات المسلحة في السعودية، وفي الكويت، أجد نفسي جالسا في شقتي المتواضعة في الكويت، بلا عمل، ( أمير بلا عمل؟)... يساعدني أشقائي في دفع إيجار شقتي، وتوفير بعض مقتضيات الحياة، وبدعم معنوي لا ينقطع من الأصدقاء، بينما يستولي ضيقو الآفاق، والمرتزقة، واللصوص، والمدعون، على مقدرات وطني.
وحتى هذه الحال، التي لا تضيرني، أنا الصوفي المتوكل، لم يقبل بها بعض الجهال، ممن يقولون لي أنني لا أعرف كيف أحافظ على مصدر رزقي، أثناء عملي سابقا في صحيفتي القبس والجريدة، وأي رزق مخضب بالمهانة والردى، ماذا سيفعل الشرفاء أمام شخص مثل عضو مجلس إدارة "القبس" المدعو يوسف النصف "بوعمر" حين حذرته من وجود "ممارسات غير أخلاقية وفضائح جنسية" في القبس، قبل استقالتي العام 2007، فرد عليّ هذا "المحافظ" وأنا في مكتبه في شركة "بن نصف" في الشويخ، وبالحرف الواحد قال بلا حياء أن "الجنس غريزة إنسانية...ومادام الشغل ما شي ماكو مشكلة"!
أما في صحيفة "الجريدة"... فكان المسؤول يتلمظ، وهو يحتسي الخمر، أو كما يقولون باللهجة المحلية "يلكه"...ويعيش في عالم آخر، وتُرفض توسلاتي، لمتابعة حريق الجهراء، البعيد عن بيته، وعن اهتماماته، وقضت فيه حرقا أكثر من خمسين سيدة، ما أثار حفيظتي الإنسانية، وغيرتي المهنية، فتقدمت باستقالتي من "الجريدة"، ويحاولون بكل وسيلة تكذيبي، ويهجرني بعض من كنت أظنهم أصدقاء، خوفا من وليّ نعمتهم، الطاغية الصغير، ثم يقولون لي "ما تعرف مصلحتك"، وأنا أقول لهم دائما:
مصلحتي، المحبة والخير والحقيقة.
بعد مضي كل هذه السنين، الممتلئة بالخيبات والإنتصارات وبالآمال، أطالع صورتي، ممتلئا بالدهشة أمام عدسات المصورين، عيناي تضمران تحد كبير، جلبته معي من داخل الكويت المحتلة، وأهلها الشجعان، أنا الذي واجهت جنود الجيش العراقي المهيب، بعدما أودعوني رصاصات لم تغادرني يوما، ومازالت، تؤرقني حتى في المنام، تعيدني الى الماضي التليد، كي لا أضعف، ولا أستكين... ولم أكره العراقيين أبدا، وهل بعد كل هذا يريد بعض المرتزقة و"الفاشلين" وصبيانهم، إخضاعي، هيهات منا الذلة
أعترف أنني أضعف أحيانا، أفكر بترك الحياة في ليال كثيرة، عندما يسود الظلام، وتستريح الطرقات، ويفيض البحر دموعا؛ وكلما استيقظت في اليوم التالي حيا، أقول لنفسي "هو يوم جديد، تمسك بالأمل"، ربما يصحو الوطن من غفوته... ونستعيد بلادنا من قبضة تجار دمائنا وزبانيتهم.

في لجة محنة الوطن، مولاي امنحني القوة والسكينة، نجني من اليأس والقنوط، أنا أبن الكويت المخلص، الكويتيون إخوتي، العالم أصدقائي، والله منجدي وخلاصي، روحي معلقة في فناء الوجود، مستلهما كل رايات المصلحين والمتقين وذوي الهمم العظيمة، خذ بيدي وأعّني، وأفِضْ على وطني محبتك ورضاك، وأعدك أن لا أسقط إلا بعدلك ورحمتك، ولن ينتصر المفسدون.

10.10.09

بين محمد الصقر ونابليون بونابرت

بعد قراءتهم المقال السابق بعنوان "ضوابط صحيفة الجريدة"، سألني أكثر من صديق أعزاء "أخاف يزعل الصقر"، في إشارة الى العم الأستاذ محمد جاسم الصقر، ناشر صحيفة "الجريدة"، على أساس أنني أسأت الى "جريدته"، وسأرد عليهم هنا، ولكل من يسأل السؤال ذاته.
أولا: أؤكد احترامي التام ومحبتي للعزيز بوعبدالله، وسأظل دائما مدينا له وممتنا، كونه أحد الأساتذة الذين تعلمت منهم، وكما قلت سابقا فهو "مصدر اعتزازي، وأكثر من أعطاني الفرصة الكاملة للخوض في بحر الكتابة، وإيجاد كينونتي الخاصة"،
وكان بالنسبة لي "بحر من المحبة والشجاعة والنزاهة والتواضع والمرح، وهو طالما قلت أمام الجميع، أن الكويت بلا محمد الصقر، كانت ستغدو نهبا للمفسدين، لأنه تصدى لهم بعزم وجلد، رغم كل ما أصابه منهم، وما يزال، وما انفك يفعل بلا كلل، منذ سنوات، ولولاه لما استفاد الكثيرون من سقف الحرية، التي ارتفع بفضلة بصورة غير مسبوقة، حتى في سنوات الرقابة المسبقة على الصحف".
ثانيا: محبتي للأستاذ محمد الصقر، لا تمنعني من قول الحقيقة، وهو الذي تعلمت منه المواجهة والصدق والجرأة، وأحسب انه لو كان يدير "الجريدة" شخصيا، لما حصلنا على هذا الفشل المتعاظم، ولما قبل بوعبدالله تعيين مجموعة من "الموظفين"...المرتزقة، لا علاقة لهم بالصحافة، و"بعض" الكتاب المأجورين، وهو الذي كان يأمل بإخراج صحيفة ليست محلية وحسب، بل مشروعا وطنيا وقوميا، يحدث تغييرا إيجابيا في بنية المجتمع الكويتي، وفي المشروع العربي الذي يحرص عليه الصقر الى حد كبير.
لكن حسابات الحقل لم تتفق مع حسابات البيدر، لأن مجموعة من المبتدئين، و"بعض" المتسلقين، والوصوليين، و"بلاعي البيزة"...لا يمكن أن ينجح مشروع بهذا الحجم تحت أياديهم، خصوصا مع مسؤولين "شخصانيين" الى حد لا يطاق، ولا أعني رئيس التحرير لوحده، يتعاملون مع الأخبار بمنطق "هذا ما أحبه" و "هذا مو من جماعتنا" و "خله يولي ما يفتهم" والحديث الأخير في وصف بعض الوزراء؟
والحال إنه لو أسقطنا وجهات نظرنا الشخصية على المسؤولين الكويتيين، فلن ننشر حتى لرئيس الوزراء، لأن معظمهم معينون لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة، كما مسؤولي الجريدة طبعا... عدا وزير الصحة هلال الساير، فهذا يجري تلميعه "بالطالعة وبالنازلة" لأنه قريب رئيس التحرير؟
ثالثا: لماذا يطلب منا "دائما" أن ننتبه "لخاطر" العم محمد الصقر، بينما هو "مش سائل فينا" كما يقال، بمعنى علينا أن "نحاتي" أن لا يزعل، بينما هو يضع أشخاصا يديرون مشاريعه، لا يتمتعون بالكفاءة اللازمة، وعلينا أن نتحمل أخطاؤهم ومشكلاتهم، "وكما يقال "إن كنت تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم.
شخصيا، لا أرى في نفسي طرفا ضعيفا، ولا أعاني من عُقد نقص تجعلني ألتمس رضى الناس عني، مهما كان شأنهم، من دون أن يشاطرونني المحبة والإحترام كما أفعل معهم، صحيح يقال "من أجل عين تكرم ألف عين"، لكن ليس أن "نتأذى وننطق" ومطلوب "نسكت بعد".
رابعا: يؤسفني جدا أن يتحول الى "كابوس"... ما حلمنا به مع الزملاء المخلصين، من "بعض" الكادر العربي، و"بعض" الكادر المحلي، الذين ضحوا من أجل "الجريدة"، وجاءوا أملا في تجربة جديدة ناجحة، ولإظهار صحيفة مميزة، إنسانية، محترمة، وموقرة، تكون رمزا للصحافة النزيهة والخلاقة، خصوصا بالعمل الى جانب أحد رموز حقوق الإنسان في العالم، والصحافة المهنية، الأستاذ الكبير غانم النجار.
أخيرا، أقول لأبي عبدالله، وهو الطامح الى المجد، لن يعذرك الناس في المستقبل، حين يسألونك عن الإساءات التي تعرضوا لها، أو الأخطاء التي ترتكب، وما زالت، باسمك، عندما تقول لهم "والله ما أدري" أو "ماحد قالي"...لأن هذه الأجوبة، لم تسعف، لا عثمان بن عفان ولا... نابليون بونابرت!
محبتي للجميع.

6.10.09

ضوابط"... صحيفة "الجريدة"

عيب...
هذا أقل ما يوصف به موقف صحيفة "الجريدة"، عندما تخلى القائمون عليها عن كل ما هو إنساني، بتغييب محاولة اغتيال رئيس تحرير جريدة "الآن" الإلكترونية الصحافي زايد الزيد، والمخجل إنهم فضّلوا "المايوه النسائي" عنوانا رئيسيا بدلا من النائب أحمد السعدون ورئيس الوزراء اللذين تحدثا عن الموضوع بعد قليل من وقوعه، والى جانبهم قيادات سياسية واجتماعية ومهنية.
ومن لاحظ افتتاحية "الجريدة" المعنونة "من يحمي الوطن"، توقع ان "الشباب" متفاعلون مع قضايا المجتمع، وفي مقدمها ظاهرة العنف، وخطورة تنامي الفساد ومحاولة تكميم الأفواه والأقلام، لكن بعد القراءة تتضح عزلة هذه الجريدة عن المجتمع الكويتي، وابتعادها عن قضاياه الحقيقية والمُلحة، ومحاولة إشغال الرأي العام بظواهر شخصية وضيقة جدا...كالمايوه النسائي؟
خيانة...
أنها التسمية الحقيقية لما تفعله صحيفة "الجريدة" ضد قرائها، عندما تخدعهم وتخون ثقتهم بها، وتتعمد عدم نشر خبر محاولة اغتيال صحافي كويتي، وهو موضوع خطير بكل الأبعاد، السياسية والاجتماعية والنفسية، وحتى القومية، إذ يعني فيما يعنيه انتهاكا لحرمة الدولة، وتجاهلا لها، وضربا بمقدرات المجتمع، الذي من حقه الخوف على نفسه، عندما لا يجد من يحميه ويؤمن سلامته.
فما ذنب المشتركين في "الجريدة" تغييبهم عن ما يجري، ولو افترضنا أن قارئا لا تصله سوى الجريدة، ما هو موقفه عندما لا يعلم بما يحصل في بلده، لأنه وضع ثقته بها.
كما ضللت الجريدة القراء عندما منعت عنهم معرفة مواقف نوابهم وممثليهم في البرلمان، الذين استنفروا قواهم غداة الحادث في "ساحة الإرادة"، لإستنكار ما حدث ضد الزيد، وأبدوا مخاوفهم على مستقبل البلد من تفشي ظاهرة الفوضى السياسية، في حضور النائب العم أحمد السعدون والنائب مسلم البراك وعدد آخر من النواب والناشطين السياسيين، علما أن ساحة الإرادة كانت تشكل قدسية عند قبيلة التحالف الديموقراطي في وقت ما، وإلا ما الذي تغير في النائب أحمد السعدون؟
في الأقل، كان في الإمكان نشر الاعتداء على الزيد باعتباره مواطنا كويتيا، أو ايراد الخبر كما تفعل "الجريدة" مع سرقات الحديد في سكراب امغرة، ومداهمات شقق الدعارة في جليب الشيوخ، أو أخبار الراقصات وعارضات الأزياء، وآخر تطورات قضية اغتيال رفيق الحريري في لبنان، فهل أمسى العنف حراما في بيروت وحلالا في الكويت؟ ألا يستحق قُراء الجريدة معرفة ما يحدث في بلادهم؟
كذب...
هذا كل ما يحدث عندما تتحدث "الجريدة" في افتتاحياتها عن "حقوق الإنسان"، فكله كذب ورياء، خصوصا عندما تزيد من كلمات مثل "الوطن" و"الوطنية" و "مكتسباتنا الدستورية"... وهي مجرد "تصفيف حجي" للحصول على مكاسب معينة، ضمن سياسة العصا والجزرة، إما "تمشي شغلنا أو نكتب ضدك". (راجع مقالنا http://www.aljareeda.com/aljarida/Article.aspx?id=124373&searchText= )
المثير، أن "الجريدة" تعترض على ضوابط النائب وليد الطبطبائي الثلاثة عشر، في معرض تحذيرها مما تسميه دولة طالبان، بينما لا يهمها محاولة مقتل مواطن وشخصية عامة، لهذا نقترح عليها للحفاظ على مهنيتها وانقاذ صدقيتها، توزيع كتيب لمشتركيها، توضح فيه "ضوابط " الجريدة في النشر، وفقا للتالي:
أولا: أسماء الممنوعين من متابعة أخبارهم من الوزراء والمسؤولين.
ثانيا: نوابنا ونوابهم، أي المسموح نشر تصريحاتهم وغير المسموح لهم من النواب.
ثالثا: مراجعة قسم الحوادث في الجريدة لتسجيل أسماء المصابين لإدخالها لجنة التقييم قبل نشر قضاياهم.
رابعا: التأكيد على أن الأولوية لجماعة قبيلة التحالف الوطني الديموقراطي وجميع مرتادي المقر والربع.
خامسا: تقديم شهادة لصاحب العلاقة تثبت انه من مواليد المناطق الداخلية، ويفضل أن يكون من سكان الفيحاء وضاحية عبدالله السالم.
سادسا: ينبغي أن يكون صاحب التصريح ممن يمتدحون سياسة وزير الصحة هلال الساير، ومن أصدقاء فيروسات انفلونزا الخنازير الحبيبة.
سابعا: أن تكون سيارته من نوع "أودي"
ثامنا: الإيمان بشعار "ويلك يا للي تعادينا يا ويلك ويل".
وفي حال توافر خمسة من هذه "الضوابط" تضمن "الجريدة" نشر الأخبار التي تصلها خلال أسبوع، شرط أن يتعهد المرسل بالولاء لقبيلة التحالف الوطني التي تضم نحو أربعة ملايين عضو... وعدم القبول بتغيير "المايوه النسائي" الوطني، حفاظا على عاداتنا وتقاليدنا...في الصبية!

25.9.09

الوطن والقبس تتصارعان على حساب الكويتيين


"بارات ومراقص ديسكو.. و "عمك أصمخ"
معظم من أعرفهم من أصدقاء قرأوا عنوان صحيفة "الوطن" اليوم قالوا مباشرة "وين يا معوّد... على إيدك"؟
بالطبع "الربع" كانوا "يتغشمرون"، ردا على الدعابة الثقيلة من "الوطن"، لأن عنوان ومحتوى الموضوع ليسا صحيحان البتة، وكل ما في الأمر أن صحيفة "الوطن" تريد الرد على غريمتها التقليدية "القبس".
لماذا الرد؟ فقط كما يقال باللهجة المحلية "معاياة" بين الشيوخ والتجار، لأن "القبس" نشرت افتتاحية في تاريخ 24 أغسطس الماضي بعنوان "يا صاحب السمو"، وهي افتتاحية سخيفة، كما إنها تنطوي على أباطيل كثيرة، أهمها محاولة تبرئة أصحاب تأبين الإرهابي عماد مغنية، واعتبار أن "كل" مشكلات الكويت مردها الى "التشدد الديني"، وهذا كلام غير صحيح، وتسطيح مفتعل للسبب الحقيقي، وهو الإدارة السيئة من السلطة وأعوانها.
وبعد هذه الافتتاحية الفاشلة، نشرت القبس في أول أيام العيد الأحد الماضي، موضوعا موجها في سياق الافتتاحية بعنوان "العالم يفرح...والكويت تلفها الكآبة"، واعتبرت فيها أن "الذين يشدون الرحال مع كل عطلة لم يهربوا من تداعيات روائح الفساد في محطة مشرف ولا من انفلونزا الخنازير، الذي يتفشى في أصقاع الأرض، ولا من السجال النيابي - الحكومي المتواصل.. فكل تلك الأزمات يمكن أن تكون عابرة، لكن لبّ الأزمة هو في تدمير بيئة الفرح من خلال تلك القوانين والضوابط التي فصلتها تيارات الإسلام السياسي وخضعت لها الحكومة".
وأضافت الصحيفة "فدبي تعلن أسبوعا حافلا بمناسبة العيد، وكذلك الرياض توزع منشورات تحدد أماكن الفرح.. وفي الكويت، عمار يا كويت طوابير المغادرين تملأ قاعات المطار.. قاعات المغادرة طبعاً.فمن أوصلنا إلى هذه المرحلة؟هل هي التيارات المتأسلمة التي فرضت أجندتها على المجتمع وتلاعبت بتقاليد وهوية الكويتيين؟ هل الحكومة وضعفها واستسلامها في أحيان كثيرة ودخولها الصفقات، ومن بعدها التنازلات على حساب فرحة الناس؟!".
وبسبب حالة الإستقطاب المزمنة بين الصحيفتين، سعت "الوطن" التي تغازل التيار الديني، الى نشر موضوع بالضد من توجهات "القبس"، ولهذا ظهر تقرير "البارات والمراقص"، وهو مفتعل تماما، كما بعض تقارير "القبس"، ومن يقرأه سيعتقد أن شارع سالم المبارك "الرث" في السالمية تحول الى الريفيرا الفرنسية، وهذا كلام سخيف وفبركة واضحة.
ويمثل تقرير "الوطن" تعديا واضحا على بعض الأماكن الخاصة، وتجنيا واضحا لبعض المقاهي والمطاعم بالقول أنها "تحولت الى أماكن للمجون والخلاعة ومواعدة الجنسين"، وهو كلام فضفاض، ويمثل تعديا على الحريات الشخصية، عدا عن الإسترسال في الحديث عن الدعارة "والحضن والبوس" كما يسميها التقرير، وهي مجرد ادعاءات بلا أدلة، ولا تمثل ظاهرة حقيقية، كي تُظهر "الوطن" الكويت كأنها مبغى
كاسك ياوطن...